IBM

طاقة المعالجة الهائلة التي نملكها اليوم والتي أنتجها صانعوا الحواسيب في العالم لم تروِ عطشنا للسرعة والقدرة الحسابية بعد. ففي العام 1947، قال مهندس الحواسيب الأمريكي هاوارد إيكين (Howard Aiken) أن ستة حواسيب رقمية إلكترونية ستكون كافية لتحقيق الاحتياجات الحسابية للولايات المتحدة. وقدّم آخرون تنبؤات مشابهة لما يتعلق بمقدار طاقة الحساب اللازمة لدعم الاحتياجات التكنولوجية المتنامية. بالطبع، لم يأخذ إيكين بعين الاعتبار كمية البيانات الضخمة الناتجة عن الأبحاث العلمية، وانتشار الحواسيب الشخصية، أو ولادة الانترنت الذي غذّى احتياجاتنا لقدرات أكبر في الحساب. هل سنحصل على المقدار اللازم أو الذي ندريه من الطاقة الحسابية؟ إذا ما استمر عدد الترانزستورات الموجودة في المعالج الصغري (Microprocessor) بالتضاعف كل 18 شهراً وفقاً لقانون مور (Moore’s Law)، سنصل في العام 2020 أو 2030 إلى دارات كهربائية موجودة في تلك المعالجات وحجمها ذري، حيث ستكون الخطوة المنطقية التالية -بالضرورة- إنشاء حواسيب كمومية (Quantum computers) ستستغل طاقة الذرات والجزيئات لإجراء مهام الذاكرة والمعالجة. تتمتع الحواسيب الكمومية بقدرة كامنة على إجراء حسابات محددة وبسرعة أكبر بكثير من سرعة أي حاسوب ذو أساس سيليكوني (silicon-based computer). في الواقع، بنى العلماء حواسيب كمومية أساسية يُمكنها إجراء حسابات معينة، لكن لايزال الوصول إلى الحواسيب الكمومية العملية أمراً بحاجة إلى الكثير من سنوات العمل. ستتعلم في هذا المقال ما هو الحاسب الكمومي، وفي أي المجالات سيُستخدم في الحقبة اللاحقة من الحوسبة. لا يتوجب عليك العودة كثيراً إلى الوراء لمعرفة أصول الحساب الكمومي، ففي الوقت الذي وُجدت فيه الحواسيب العادية في معظم مراحل القرن المنصرم، ظهرت فكرة الحاسب الكمومي للمرة الأولى قبل أقل من 30 عام من قبل عالم فيزياء يعمل في مختبر “أرغون” الوطني، حيث يُعتبر باول بينيوف (Paul Benioff) أول من طبق نظرية الكم على الحواسيب في العام 1981. وعمل بينيوف نظرياً في مجال آلة تورينغ الكمومية (Quantum Turing machine)، وتعتمد معظم الحواسيب الرقمية، بما فيها ذلك الذي تستخدمه لقراءة هذا المقال، على نظرية تورينغ (Turing Theory). تعريف الحاسوب الكمومي آلة تورينغ (Turing machine)، التي طوّرها آلان تورينغ في ثلاثينات القرن الماضي، هي عبارة عن جهاز نظري يتألف من شريط بطور لا نهائي ومقسّم إلى مربعات صغيرة، يستطيع كل مربع الاحتفاظ برمز (إما 1 أو 0)، أو قد يكون فارغاً. يقرأ جهاز (الكتابة-القراءة) تلك الرموز والفراغات أيضاً، مما يُقدم للآلة التعليمات اللازمة لتطبيق برنامج ما. هل يبدو الأمر مألوفاً إليك؟ حسناً، في آلة تورينغ الكمومية، يكمن الاختلاف في أن الشريط موجود في حالة كمومية كما هي الحال مع الرأس الذي يقرأ ويكتب (read-write head)، ما يعني أن الرموز الموجودة فوق الشريط قد تكون إما 1 أو صفر أو في حالة تراكب بين 1 و 0، بكلماتٍ أخرى، يكون الرمز 0 و1 في الوقت نفسه (أي كل النقاط الموجودة بينهما). في الوقت الذي تستطيع فيه آلة تورينغ العادية إجراء عملية حسابية واحدة في اللحظة نفسها، فإن بإمكان آلة تورينغ الكموميّة تطبيق العديد من الحسابات في نفس اللحظة. تعمل حواسيب اليوم بشكلٍ مشابه لآلة تورينغ، ويتم ذلك عبر التلاعب بالبتات (Bits) الموجودة في إحدى الحالتين: 0 أو 1. الحواسيب الكمومية غير مقيدة بحالتين فقط، فهي تُشفر البيانات داخل بتات كمومية (أو اختصاراً Qubits)، التي تستطيع التواجد في حالة تراكب، حيث تُمثل البتّات الكمومية: الذرّات، الأيونات، الفوتونات، الالكترونات وأجهزة التحكم الخاصة بها، والتي تعمل كلها معاً كذاكرة حاسب ومعالج. ولأنه باستطاعة الحاسب الكمومي احتواء تلك الحالات المتعددة بشكلٍ متزامن، فإنه قد يكون أسرع من الحواسيب الفائقة (Supercomputers) الموجودة اليوم بملايين المرات! هذا التراكب الحاصل في البتّات الكمومية هو ما يُقدم للحواسيب الكمومية توازيها الأصيل (Inherent parallelism). ووفقاً لعالم الفيزياء ديفيد دويتش (David Deutsch)، يسمح هذا التوازي للحاسوب الكمومي بالعمل على إجراء مليون عملية حسابية في نفس اللحظة، في حين يُمكن للحاسوب المنزلي المكتبي القيام بواحدة فقط. سيمتلك حاسوب كمومي بـ 30 بت كمومي قدرة معالجة مكافئة لحاسوب تقليدي يستطيع إجراء 10 تريليون عملية بالفاصلة العائمة خلال الثانية الواحدة (Teraflops)، علماً أن الحواسيب المكتبية النموذجية والموجودة اليوم تعمل عند سرعات من رتبة الـ (Gigaflops)، أي مليارات عمليات الفاصلة العائمة في الثانية. تستخدم الحواسيب الكمومية جانباً آخر من ميكانيك الكم، وهو الجانب المعروف بالتشابك (Entanglement). تكمن إحدى المشاكل الموجودة في فكرة الحواسيب الكمومية في أنه لو حاولتَ سبر الجسيمات دون الذرية، فإنك قد تتسبب بتصادمها، وبالتالي بتغيير قيمها. إذا ما نظرت إلى بت كمومي موجود في حالة تراكب بقصد تحديد قيمته، حيث سيأخذ القيمة إما 1 أو صفر، وليس كلا القيمتين، أي أنه يُحوّل حاسبك الكمومي الذكي إلى حاسب رقمي أدنى رتبة. ولجعل استخدام الحواسيب الكمومية أمراً عملياً، يتوجب على العلماء ابتكار طرق لإجراء القياسات بشكلٍ غير مباشر للحفاظ على سلامة النظام. يُقدّم التشابك إجابةً محتملة لتلك المسألة. ففي الفيزياء الكمومية، إذا قمت بتطبيق قوة خارجية على ذرتين، فإنك قد تتسبب في تشابكهما، وتستطيع الذرة الثانية أخذ خواص الذرة الأولى، ولذلك إذا ما تُركَت لوحدها، فإن الذرة ستدور في كل الاتجاهات، وعند مجيء اللحظة التي تتسبب باضطراب معين لها، فإنها تختار لف ذاتي (سبين) محدد، أو قيمة واحدة، وفي الوقت نفسه، ستختار الذرة الثانية المتشابكة معها لف ذاتي معاكس، أو قيمة معاكسة، وفي الواقع، يسمح ذلك الأمر للعلماء بمعرفة قيمة البتات الكمومية دون النظر إليها. التحكم بالبتّات الكمومية يتحكم علماء الحاسوب بالجسيمات “الميكروية” التي تلعب دور البتات الكمومية في الحواسيب الكمومية باستخدام أجهزة تحكم هي: المصائد الأيونية (Ion traps): تستخدم الحقول البصرية والمغناطيسية (أو تجمّعاً منهما) لأسر الأيونات. المصائد البصرية (Optical traps): تستخدم الأمواج الضوئية لأسر الجسيمات والتحكم بها. النقاط الكمومية (Quantum dots): وهي مؤلفة من مادة نصف ناقلة، تُستخدم في احتواء الالكترونات والتلاعب بها. الشوائب نصف الناقلة (Semiconductor impurities): تقوم باحتواء الالكترونات عبر استخدام ذرات “غير مرغوب بها” وموجودة في المادة نصف الناقلة. دارات فائقة الناقلية (Superconducting circuits): وهي التي تسمح للالكترونات بالتدفق بوجود مقاومة مكافئة للصفر تقريباً، وعند درجات حرارة منخفضة.

المصدر: https://nasainarabic.net/education/articles/view/quantum-computer-w

شارك على

تحقق أيضا

البحث عن مقاطع الفيديو على يوتيوب باستخدام “الايموشن”

كشف موقع يوتيوب عن ميزة جديدة تتيح للمستخدمين البحث عن مقاطع الفيديو باستخدام الرموز التعبيرية، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *